الشنقيطي

141

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) . يعني أنه لو نزل عليهم الملائكة وهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي ، لجاءهم من اللّه العذاب من غير إمهال ولا إنظار ، لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك ، كما بينه تعالى بقوله : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) [ الحجر : 8 ] . وقوله يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : 22 ] الآية . قوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ 9 ] . أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور ، ولو كان كذلك لا لتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة الرسول البشري . وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل إليهم ، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) [ الإسراء : 95 ] . قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) [ 10 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزؤوا برسل قبل نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك ، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم ، ولا كيفية العذاب الذي أهلكوا به ، ولكنه فصل كثيرا من ذلك من مواضع أخر متعددة في ذكر نوح وقومه وهود وقومه ، وصالح وقومه ، ولوط وقومه ، وشعيب وقومه ، إلى غير ذلك . فمن استهزائهم بنوح قولهم له « بعد أن كنت نبيا صرت نجارا » ، وقد قال اللّه تعالى عن نوح : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) [ هود : 38 ] ، وذكر ما حاق بهم بقوله : فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) [ العنكبوت : 14 ] وأمثالها من الآيات . ومن استهزائهم بهود ما ذكره اللّه عنهم من قولهم : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [ هود : 54 ] ، وقوله عنهم أيضا : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ [ هود : 53 ] الآية . وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله . إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) [ الذاريات : 41 ] الآية ، وأمثالها من الآيات . ومن استهزائهم بصالح ، قولهم فيما ذكر اللّه عنهم يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 77 ) [ الأعراف : 77 ] وقولهم يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا [ هود : 62 ]